أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

396

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : إِذا فَرِيقٌ : « إِذا » هنا فجائية ، وقد تقدم أن فيها ثلاثة مذاهب : أحدها : وهو الأصح « 1 » : أنها ظرف مكان ، والثاني : أنها زمان ، والثالث : أنها حرف ، ولهذه المذاهب موضوع غير هذا ، وقد قيل في « إذا » هذه إنها فجائية مكانية ، وأنها جواب ل « لمّا » في قوله « فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ » ، وعلى هذا ففيها وجهان ، أحدهما : أنها خبر مقدم ، و « فَرِيقٌ » ، و « مِنْهُمْ » صفة ل « فَرِيقٌ » ، وكذلك « يَخْشَوْنَ » ، ويجوز أن يكون « يَخْشَوْنَ » حالا من « فَرِيقٌ » لاختصاصه بالوصف ، والتقدير : « فبالحضرة فريق كائن منهم خاشون أو خاشين » . والثاني : أن يكون « فَرِيقٌ » مبتدأ ، و « مِنْهُمْ » صفته ، وهو المسوّغ للابتداء به ، و « يَخْشَوْنَ » جملة خبرية وهو العامل في « إِذا » ، وعلى القول الأول العامل فيها محذوف على قاعدة الظروف الواقعة خبرا . وقيل : إنها هنا ظرف زمان ، وهذا فاسد ؛ لأنها إذ ذاك لا بد لها من عامل ، وعاملها إمّا ما قبلها وإمّا ما بعدها ، لا جائز أن يكون ما قبلها ، لأن ما قبلها وهو « كُتِبَ » ماض لفظا ومعنى وهي للاستقبال ، فاستحال ذلك . فإن قيل : تجعل هنا للمضيّ بمعنى « إِذا » . قيل : لا يجوز ذلك لأنه بصير التقدير : فلمّا كتب عليهم القتال في وقت خشية فريق منهم ، وهذا يفتقر إلى جواب « لمّا » ولا جواب لها ، ولا جائز أن يكون ما بعدها ؛ لأنّ العامل فيها إذا كان بعدها كان جوابا لها ، ولا جواب لها هنا ، وكان قد تقدّم أولّ البقرة أنّ في « لمّا » قولين قول سيبويه « 2 » : إنها حرف وجوب لوجوب ، وقول الفارسي : إنها ظرف زمان بمعنى « حين » وتقدّم الردّ عليه هناك بأنها أجيبت ب « ما » النافية وإذا الفجائية ، وأنّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها فأغنى عن إعادته ، ولا يجوز أن يعمل ما يليها فيها ؛ لأنه في محلّ خفض بالإضافة على زعمه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . وقد أجاب بعضهم بأنّ العامل فيها هنا معنى « يَخْشَوْنَ » كأنه قيل : جزعوا ، قال : « وجزعوا هو العامل في « إذا » ، وهذه الآية مشكلة ؛ لأنّ فيها ظرفين أحدهما لما مضى والآخر لما يستقبل » . انتهى . قوله : كَخَشْيَةِ اللَّهِ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : وهو المشهور عند المعربين : أنها نعت مصدر محذوف ، أي : خشية كخشية اللّه . والثاني : وهو المقرر من مذهب سيبويه « 3 » غير مرة - : أنها في محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف أي : يخشونها الناس ، أي : يخشون الخشية الناس مشبهة خشية اللّه . والثالث : أنها في محل نصب على الحال من الضمير في « يَخْشَوْنَ » أي : يخشون الناس مثل أهل خشية اللّه أي : مشبهين لأهل خشية اللّه أو أشدّ خشية أي : أشدّ خشية من أهل خشية اللّه . و « أَشَدَّ » معطوف على الحال ، قاله الزمخشري . ثم قال : « فإن قلت : لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدّره : يخشون خشية مثل

--> ( 1 ) انظر سورة البقرة ، الآية ( 17 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 2 / 312 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 116 ) .